ابن قيم الجوزية
345
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [ المائدة : 13 ] فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار : من تقسية القلب ، واللعنة ، وتحريف الكلم ، ونسيان العلم . فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة ، سواء بسواء . ولذلك قال السلف : المعاصي بريد الكفر ، كما أن الحمى بريد الموت . فإيمان صاحب القبائح كقوة المريض على حسب قوة المرض وضعفه . وهذه الأمور الثلاثة - وهي صون النفس ، وتوفير الحسنات ، وصيانة الإيمان - هي أرفع من باعث العامة على الورع . لأن صاحبها أرفع همة ، لأنه عامل على تزكية نفسه وصونها ، وتأهيلها للوصول إلى ربها . فهو يصونها عما يشينها عنده . ويحجبها عنه . ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها . لأنه يسير بها إلى ربه . ويطلب بها رضاه . ويصون إيمانه بربه : من حبه له ، وتوحيده ، ومعرفته به ، ومراقبته إياه عما يطفئ نوره . ويذهب بهجته ، ويوهن قوته . * * * قال الشيخ : « وهذه الثلاث الصفات : هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين » . يعني أن للمريدين درجتين أخريين من الورع فوق هذه . ثم ذكرهما فقال : « الدرجة الثانية : حفظ الحدود عندما لا بأس به ، إبقاء على الصيانة والتقوى . وصعودا عن الدناءة . وتخلصا عن اقتحام الحدود » . يقول : إن من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع يترك كثيرا مما لا بأس به من المباح ، إبقاء على صيانته ، وخوفا عليها أن يتكدر صفوها . ويطفأ نورها . فإن كثيرا من المباح يكدر صفو الصيانة ، ويذهب بهجتها ، ويطفئ نورها . ويخلق حسنها وبهجتها . وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - في شيء من المباح : هذا ينافي المراتب العالية ، وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة . أو نحو هذا من الكلام . فالعارف يترك كثيرا من المباح إبقاء على صيانته . ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخا بين الحلال والحرام . فإن بينهما برزخا - كما تقدم - فتركه لصاحب هذه الدرجة كالمتعين الذي لا بد منه لمنافاته لدرجته . والفرق بين صاحب الدرجة الأولى وصاحب هذه : أن ذلك يسعى في تحصيل الصيانة . وهذا يسعى في حفظ صفوها أن يتكدر ، ونورها أن يطفأ ويذهب . وهو معنى قوله : « إبقاء على الصيانة » . وأما الصعود عن الدناءة : فهو الرفع عن طرقاتها وأفعالها . و « أما التخلص عن اقتحام الحدود » فالحدود : هي النهايات . وهي مقاطع الحلال والحرام . فحيث ينقطع وينتهي ، فذلك حده . فمن اقتحمه وقع في المعصية . وقد نهى اللّه تعالى عن تعدي حدوده وقربانه . فقال : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [ البقرة : 187 ] . وقال : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] فإن الحدود يراد بها أواخر الحلال . وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك : أوائل الحرام .